الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
حرب ابادة من ناحية و قسوة مناخ من ناحية أخرى و المزارع ما بين هذا و ذلك يحارب لإنجاح محصوله
يوسف أبو ربيع , مواطن غزي كان مثال للمزارع الذي لا تعرف يده سوى البذرة والأمل، يزرع الأرض كما يزرع الحياة.
رغم القصف الذي لا يتوقف، والتغيرات المناخية التي تسلب اللون الأخضر من الأرض، ظلَّ يوسف يقاوم، يروي زرعه في حربٍ لم تترك شيئًا إلا وأحرقته.
أطلق فكرة إعادة الزراعة في غزة ضمن الإمكانيات المتاحة،تحت عنوان * لقد زرعنا الأمل * لكن حلم يوسف انتهى بغارة إسرائيلية تاركًا وراءه أرضًا غارقة في الألم، وسحابة كبيرة من ثاني أكسيد الكربون الذي خلفته الحرب، ويشكل الآن واحد من اكثر المشاكل البيئية التي ستؤثر على القطاع لعشرات السنين.
يعبر المزارع الغزي عن عشقه لأرضه و تمسكه بها التي تغيرت معالمها بعد الحرب , حيث أنه قبل الحرب
“المزارع يعشق أرضه، واليوم نعاني حالة نفسية صعبة جدًا لأننا حُرمنا من رؤيتها”. هكذا كانت الزراعة تسير بشكل جيد، وكل شيء كان متاحًا، من مدخلات زراعية إلى تسهيلات لتساعد المزارع في عمله , استطاع بواسطتها التغلب على المشكال التي كانت تواجهه من مشاكل في التربة و غيرها ,.
لكن بعد الحرب، تغير كل شيء، أصبح كل شيء غير متوفر، تأثرت التربة، والمحاصيل، ولم يعد لدى المزارع أي من المواد الأساسية التي كان يعتمد عليها . لم يعد هناك مبيدات حشرية للآفات التي انتشرت بكثرة , و كما أن الأسمدة اللازمة للمحاصيل أصبحت نادرة للغاية وتكاد معدومة، بالإضافة الى صعوبة الوضع بسبب نقص المياه، إذ لا توجد مياه كافية للري، ولا كهرباء لضبط انتظام عملية الري”.
الأراضي الصالحة للزراعة :
وبناءً على تقارير محلية متطابقة في غزة فان المساحات الزراعية التي يمكن الوصول إليها وزراعتها لا تزيد على 5000 دونم، ونسبة الأراضي التي يمكن ريها باستخدام الطاقة الشمسية محدودة بنسبة 2% من إجمالي الأراضي الزراعية.
ويرجع هذا الانخفاض في الري إلى ارتفاع تكلفة الوقود اللازم لتشغيل الآبار، إذ بلغ متوسط سعر اللتر الواحد 50 شيكلاً، ما يجعل استخدامه غير مجدٍ اقتصاديًا.
قسوة المناخ تضغط على كاهل المزارع :
لا تقف التحديات عند الحرب فقط، فالتغير المناخي يفاقم الأوضاع الزراعية المتردية في غزة.
واتفقت الكثير من الدراسات التي اجرتها منظمات دولية متخصصة خلال السنوات الاخيرة، على ان قطاع غزة يعتبر من اكثر المناطق تأثرًا بالتغيّرات المناخية، بسبب انحسار المساحات الخضراء من ناحية، وازياد عدد السكان من ناحية أخرى.
وفق دراسة تحمل عنوان “إعادة هيكلة لجنة المياه الإسرائيلية الفلسطينية” لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في 2019، فإن متوسط هطول الأمطار السنوي في المنطقة (الشرق الأوسط) سينخفض بنسبة 10 إلى 30 بالمئة بحلول 2100، إضافةً إلى أن درجات الحرارة سترتفع بمقدار 3 إلى 5 درجات، وهذا سيزيد من حرارة المنطقة.
قبل الحرب كان تغير المناخ يشكل تحدياً بسبب الحر الشديد صيفا و الرياح الشديدة شتاءً التي بدورها تحول دون نجاح محاصيل المزارعين
الحروب المستمرة في غزة تسببت في تدمير 75% من الغطاء النباتي، كما أن 90% من الأراضي الزراعية في الشمال تضررت بشدة، وفي مناطق الجنوب، قد يصل الضرر إلى 75-80% من الأراضي الزراعية” مشيرًا إلى أن الحرب ساهمت بشكل رئيسي في تدهور البيئة وتضرر القطاع الزراعي.
ووفقًا لتقييم حديث صدر في نهاية العام الماضي أجرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، فإن 67.6% من الأراضي الزراعية في غزة تعرضت للضرر بحلول سبتمبر 2024، وكانت هذه النسبة قد بلغت 42.6% فقط في فبراير، ثم ارتفعت إلى 57.3% في مايو، قبل أن تصل إلى ذروتها في سبتمبر.
وشملت الأضرار 71.2% من البساتين والأشجار المثمرة، و67.1% من المحاصيل الحقلية، و58.5% من الخضروات. كما تم تدمير 1,188 بئرًا زراعيًا، ما يمثل 52.5% من إجمالي الآبار في القطاع، بالإضافة إلى تضرر 44.3% من الدفيئات الزراعية.
ووفق بيانات مركز الميزان لحقوق الإنسان، فإن سلطات الاحتلال تلقي آلاف الأطنان من المتفجرات والصواريخ والقنابل، التي تحتوي على المواد السامة والعناصر الثقيلة الخطرة التي لها تأثيرات على الهواء والتربة.
ويضيف حمادة، “التغيرات المناخية أصبحت أكثر وضوحًا في غزة، هذا الوضع أثر بشكل مباشر على الزراعة. قبل الحرب، كانت هذه التغيرات المناخية بسبب الثورة الصناعية، والوقود الأحفوري، لكن بعد الحرب، أصبح التدمير الناتج عن القصف وتغيرات المناخ مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا، حيث أصبحت الحرب هي السبب الرئيسي بنسبة تصل إلى 90%”.
أن الانبعاثات الناجمة عن الحرب الإسرائيلية على غزة كان لها تأثيراً هائلاً في المناخ، وأن الأشهر الأولى من الحرب تسببت في انبعاث كميات ضخمة من الغازات الدفيئة والمسببة للاحتباس الحراري تتجاوز ما تنتجه 20 دولة معرضة لخطر التغير المناخي خلال عام واحد”.
من أجل حماية الأراضي الزراعية على المدى الطويل، يجب إجراء فحوصات للأرض والتربة لتحديد حالتها ومعالجة المشاكل التي نتجت عن التلوث أو الدمار الناتج عن الحرب، ولكن الآن كل شيء صعب بسبب استمرار الحرب”.
ويختتم “الأمن الغذائي في غزة صعب جدًا، بعد أن كنا نصدّر للضفة الغربية والداخل المحتل، اليوم نستورد، وبأسعار باهظة جدًا”.
وسط استمرار الحرب وتفاقم أزماتها، لم يكن يوسف أبو ربيع مجرد مزارع، بل كان شاهدًا على معاناة الزراعة في غزة، حيث لم تترك الحرب للأرض فرصة للحياة، ولم تترك للمزارعين خيارًا سوى التمسك بما تبقى من أمل.
No comments:
Post a Comment